سيد قطب
3662
في ظلال القرآن
« وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ . هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ . مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ . عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ . أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ . إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ : أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ . سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ » . . وقد قيل : إنه الوليد بن المغيرة ، وإنه هو الذي نزلت فيه كذلك آيات من سورة المدثر : « ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ، وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً ، وَبَنِينَ شُهُوداً ، وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً . ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ . كَلَّا ! ! إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً . سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً . إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ . فَقُتِلَ ! كَيْفَ قَدَّرَ ؟ ثُمَّ قُتِلَ ! كَيْفَ قَدَّرَ ؟ ثُمَّ نَظَرَ . ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ . ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ . فَقالَ : إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ . إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ . سَأُصْلِيهِ سَقَرَ » . . ورويت عنه مواقف كثيرة في الكيد لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وإنذار أصحابه ، والوقوف في وجه الدعوة ، والصد عن سبيل اللّه . . كما قيل : إن آيات سورة القلم نزلت في الأخنس بن شريق . . وكلاهما كان ممن خاصموا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ولجوا في حربه والتأليب عليه أمدا طويلا . وهذه الحملة القرآنية العنيفة في هذه السورة ، والتهديدات القاصمة في السورة الأخرى ، وفي سواها ، شاهد على شدة دوره سواء كان هو الوليد أو الأخنس والأول أرجح ، في حرب الرسول والدعوة ، كما هي شاهد على سوء طويته ، وفساد نفسه ، وخلوها من الخير . والقرآن يصفه هنا بتسع صفات كلها ذميم . . فهو حلاف . . كثير الحلف . ولا يكثر الحلف إلا إنسان غير صادق ، يدرك أن الناس يكذبونه ولا يثقون به ، فيحلف ويكثر من الحلف ليداري كذبه ، ويستجلب ثقة الناس . وهو مهين . . لا يحترم نفسه ، ولا يحترم الناس قوله . وآية مهانته حاجته إلى الحلف ، وعدم ثقته بنفسه وعدم ثقة الناس به . ولو كان ذا مال وذا بنين وذا جاه . فالمهانة صفة نفسية تلصق بالمرء ولو كان سلطانا طاغية جبارا . والعزة صفة نفسية لا تفارق النفس الكريمة ولو تجردت من كل أعراض الحياة الدنيا ! وهو هماز . . يهمز الناس ويعيبهم بالقول والإشارة في حضورهم أو في غيبتهم سواء . وخلق الهمز يكرهه الإسلام أشد الكراهية ؛ فهو يخالف المروءة ، ويخالف أدب النفس ، ويخالف الأدب في معاملة الناس وحفظ كراماتهم صغروا أم كبروا . وقد تكرر ذم هذا الخلق في القرآن في غير موضع ؛ فقال : « وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ » . . وقال : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ . وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ . وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ » وكلها أنواع من الهمز في صورة من الصور . . وهو مشاء بنميم . يمشي بين الناس بما يفسد قلوبهم ، ويقطع صلاتهم ، ويذهب بموادتهم . وهو خلق ذميم كما أنه خلق مهين ، لا يتصف به ولا يقدم عليه إنسان يحترم نفسه أو يرجو لنفسه احتراما عند الآخرين . حتى أولئك الذين يفتحون آذانهم للنمام ، ناقل الكلام ، المشاء بالسوء بين الأوداء . حتى هؤلاء الذين يفتحون آذانهم له لا يحترمونه في قرارة نفوسهم ولا يودونه . ولقد كان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ينهى أن ينقل إليه أحد ما يغير قلبه على صاحب من أصحابه . وكان يقول : « لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئا فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر » « 1 » . وثبت في الصحيحين من حديث مجاهد عن طاوس عن ابن عباس قال : مر رسول اللّه - صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم - بقبرين ، فقال : « إنهما ليعذبان ، وما يعذبان في كبير . أما أحدهما فكان لا يستتر من البول ، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة » .
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود والترمذي من حديث ابن مسعود .